تعليم القرآن للمكفوفين: طرق الحفظ والمراجعة والوسائل المساعدة
في مدينة واحدة، يجلس طفلان على مسافة أمتار من بعضهما. الأول يرى المصحف بعينيه لكن قلبه غائب عنه، والثاني لا يرى شيئاً لكنه يحمل في صدره عشرين جزءاً يتلوها في صلاته خشوعاً ويقيناً. أيّهما أرى حقاً؟ وأيهما أحق أن نسميه “بصيراً”؟، هؤلاء هم إخوتنا المكفوفون، الذين أغلق الله عليهم باب النور الخارجي ليفتح لهم باب نور أعظم: قلوباً تخشع، وأسماعاً تركز، وذاكرات تخزن كلام الله كما تخزن الجواهر. تعليم القرآن للمكفوفين ليس مهمة استثنائية صعبة، بل هو حق كامل لهم، ونجاحاتهم فيه شاهدة على أن الحواجز الحقيقية ليست في العين، بل في الهمة.
في هذا المقال سنمشي معك خطوة خطوة في رحلة المكفوفين مع القرآن: كيف يحفظ، وكيف يقرأ، وكيف يراجع، وما هي الوسائل التي تيسر له هذا الطريق.
كيف يحفظ الكفيف القرآن؟
الطريقة التي يحفظ بها المكفوف القرآن تختلف عن طريقة المبصر في الوسيلة، لكنها تتفوق عليه أحياناً في العمق. فالمبصر يقرأ بالعين وقد تسبق عيناه لسانه، أما المكفوف فيقرأ بأذنه وقلبه، فلا تسبقه وسيلة إلى فهم ما وراء الحفظ.
تعتمد طرق الحفظ على حالتين رئيسيتين:
- كفيف منذ الولادة، وكفيف أصابه العمى بعد أن تعلم القراءة والكتابة.
- الأول يحفظ كلياً بالسماع والتلقين، والثاني يحتفظ بذاكرة الأحرف المكتوبة فيحفظ بالسماع والتلقين أيضاً لكنه يربط ما يسمعه بشكل الحروف الذي عرفه سابقاً، وهذا يساعده كثيراً في تصحيح مخارجه وتشكيلاته.
والمكفوف عموماً يحتاج إلى مكرر أكثر من المبصر في الجلسة الواحدة، لكن معدل تثبيته أعلى؛ لأنه يعتمد على السمع وحده دون تشتت، فيتقن الآية من حيث اللفظ والمعنى قبل الانتقال إلى التي تليها. ولهذا تجد كثيراً من المكفوفين الذين يختمون القرآن حفظاً وتلاً، بل وتجدهم في مقدمة حلقات التحفيظ بين أقرانهم المبصرين.
الحفظ بالسماع والتلقين
هذه هي الطريقة الأصلية والأوسع انتشاراً في تعليم القرآن للمكفوفين، وهي في حقيقتها عودة إلى الطريقة الأولى التي تلقى بها القرآن: السمع والتلقين، قبل أن يجمع في مصحف.
- يعتمد هذا الأسلوب على معلم أو مقريء يتلو الآية تلاوة صحيحة متقنة، فيكررها المكفوف خلفه مرات عديدة حتى يثبتها في ذاكرته. وتُقسم الآية إلى كلمات إذا طالت، ويُعنى بتصحيح المخارج حرفاً حرفاً، لأن المكفوف لا يرى موضع اللسان فيرى في مخارج الحروف صعوبة تستلزم صبراً إضافياً من المعلم.
- ونصيحة عملية من الميدان: أفضل وقت للتلقين هو الصباح الباكر حين يكون الذهن صافياً، وأفضل مكان هادئ بعيد عن الضوضاء، لأن المكفوف يعتمد على سمعه وحده فأي تشويش يضاعف صعوبة الحفظ.
كما أن التسميع على المعلم بصوت عالٍ ضروري جداً؛ فالكفيف الذي يسمع صوته يصحح أخطاءه بنفسه تدريجاً، بينما يكتفي بالتسميع في نفسه قد يدفن أخطاءه دون أن يشعر.
القراءة بطريقة برايل
عند تعليم القرآن للمكفوفين بعد السمع تأتي اليد. طريقة برايل هي نظام كتابة بالنقاط البارزة يلمسها المكفوف بأطراف أصابعه ليقرأ، وقد أعطاها القرآن مكانته الخاصة حين طُبع المصحف بها لأول مرة في القرن العشرين، فأصبح للمكفوف مصحف يلمسه بيده كما نلمس نحن المصحف بأعيننا.
- قراءة القرآن ببرايل تجعل المكفوف مستقلاً في القراءة دون حاجة إلى مقريء معه طوال الوقت. يستطيع أن يقرأ في بيته وحده، وأن يصلي به، وأن يبحث عن الآيات بنفسه.
- لكن لبرايل تحدياته مع القرآن: أولها أن القرآن ببرايل يأخذ أحجاماً كبيرة جداً، إذ إن الحرف الواحد برواية برايل العادية يحتاج إلى ست نقاط، فالجزء الواحد قد يمتلئ به عدة أجزاء من الكتاب العادي، ولهذا تُستخدم الاختصارات في برايل القرآن لتخفيف الحجم.
- وثانيها أن تعلم برايل نفسه يحتاج إلى دورات تدريبية، ولا يتقنه كل المكفوفين، خاصة كبار السن منهم.
- وثالثها أن التشكيل الكامل في برايل القرآن لم يكن متوفراً دائماً، مما يجعل التصحيح الصوتي صعباً على من لم يحفظ المخارج جيداً.
رغم ذلك، يبقى برايل باباً مهماً من أبواب الاستقلالية، وندعو الجهات العاملة في هذا المجال إلى الاهتمام بطباعة مصاحف برايل كاملة بالتشكيل وبأسعار في متناول الجميع.
المصحف الناطق والوسائل الإلكترونية

جاء عصر التقنية ليمنح المكفوفي ما لم يكن يحلم به أسلافهم: مصحف يقرأ عليه بنفسه متى شاء.
- المصحف الناطق: هو تطبيق يحوي المصحف كاملاً بتلاوة مقرئين معتمدين، يستطيع المستخدم التنقل بين السور والآيات بأزرار أو أوامر صوتية، والاستماع للآية مرة بعد مرة، والتحكم في سرعة التلاوة. بعض التطبيقات تتيح تكرار الآية تلقائياً بعدد معين، وهذه ميزة ذهبية للحفظ.
- أجهزة القرآن الإلكترونية: أجهزة صغيرة محمولة مخصصة للمكفوفين تحمل المصحف كاملاً بأصوات كبار القراء، بأزرار بارزة يلمسها المستخدم، وهي عملية جداً لكبار السن الذين يجدون صعوبة في الهواتف الذكية.
- التطبيقات الذكية: تطبيقات مصاحف مخصصة لذوي الإعاقة البصرية تعمل مع قارئات الشاشة، بحيث يقرأ التطبيق أسماء السور والآيات صوتياً وينفذ أوامر المستخدم، وتتيح بعضها تمييز موضع الختمة والمراجعة.
القيمة الحقيقية لهذه الوسائل أنها تمنح المكفوف استقلالاً كاملاً: يقرأ وحده في الليل، يراجع في السيارة، يصلي التراويح بتتبع الإمام على سماعة، دون أن يحتاج إلى أحد يرافقه.
يمكنك التبرع ل طباعة كتب القرآن الكريم بطريقة “برايل” للمكفوفين.
المراجعة وتثبيت الحفظ
الحفظ بلا مراجعة كالبناء بلا أساس، وهذه القاعدة أشد أهمية بالنسبة للمكفوف؛ لأن الذاكرة السمعية تحتاج إلى التنشيط المستمر كي لا تتسرب الآيات.
أفضل طرق المراجعة للمكفوفي:
- المصاحبة اليومية للمصحف الناطق: تخصيص وقت ثابت يومياً للاستماع إلى ما حفظه سابقاً، ولو نصف ساعة. الاستماع المتكرر يرسخ الحفظ في الذاكرة طويلة المدى.
- المراجعة بالتلاوة الصوتية: أن يردد ما حفظه بصوت مسموع، فالاستماع لنفسه يكشف المواضع المتعثرة. ومن الطرق المجربة أن يقرأ الوجه المفضل لأهل العلم: صفحة في الصباح وصفحة في المساء من المحفوظ القديم، مع حفظ وجه جديد يومياً.
- المراجعة الجماعية في الحلقات: تبقى الحلقة هي الصخرة التي تُبنى عليها المراجعة؛ فالمكفوف الذي يسمع زملاءه يتلوون يتنشط حفظه، والمعلم يكتشف التسريبات قبل أن تتحول إلى ثقوب لا تُرمم.
- الصلاة بالمحفوظ: أكثر طرق التثبيت نفعاً وأجملها؛ فالمكفوف الذي يطيل القيام بما حفظه في صلاته يثبته في قلبه ثبوتاً لا يزول، ويجعل القرآن رفيق صلاته ورفيق يومه.
- المكافآت المرئية المعنوية: حتى لو كان المكافأة مادية بسيطة، فإن الاهتمام المعنوي بالمكفوفي وشعوره أن إنجازه محل تقدير يدفعه إلى المزيد.
وقد تجد المكفوف أشد حرصاً على المراجعة من المبصر لأن القرآن عنده هو نور عينيه وقرة قلبه.
حلقات شفيعًا للمكفوفين
في جمعية شفيعًا، نعمل من قناعة راسخة: أن كفيفاً واحداً يحفظ كتاب الله خير من ألف خطبة عن فضل القرآن. ولهذا أنشأنا حلقات تحفيظ متخصصة للمكفوفين وضعاف البصر، تُقدم فيها التلاوة والتلقين على أيدي معلمين صبورين مدرَّبين على خصوصية هذا الفريق، مع الاستفادة من المصحف الناطق والوسائل الإلكترونية في كل حصة.
- تستقبل الحلقات الكبار والصغار من الجنسين، وتقسم إلى مستويات: من تعليم الأحكام والمخارج للمبتدئ، إلى الحفظ المتقن، إلى الإتقان والمراجعة المنتظمة لمن ختم القرآن.
- ندعو أسر المكفوفين إلى التسجيل في الحلقات عبر وسائل التواصل المتاحة على موقع جمعية شفيعا، أو بزيارة مقر الجمعية، حيث يتم تحديد المستوى المناسب لكل طالب ووضع خطة تحفيظ فردية تناسب قدرته.
كما نتوجه لأهل الخير والمعلمين الراغبين في التطوع: أياديكم مطلوبة هنا، سواء بالتعليم المباشر، أو بالدعم المالي الذي يوفر الأجهزة والمصاحف الناطقة للطلبة الذين لا يملكونها.
الخلاصة: لا تظلموهم نوراً ثانياً
المكفوف لم يعد بصره، فلا تحرموه نور القرآن. فوالله الذي لا إله غيره، إن المكفوف الذي يتلو كتاب الله في صلاته لأجمل مشهد ترفعه عيناك إليه، ولأقوى حجة لكل من يتثاءب عند سماع الحديث عن الحفظ. ساهم في تعليم القرآن للمكفوفين، من خلال مكفوف واحد، وراجع معه يومياً، أو ادفع ثمن مصحف ناطق لطالب لا يملكه، أو ادعم حلقات شفيعًا بصدقة تنبت في الظلام ثمرة تضيء يوم القيامة.يمكنك التبرع من خلال متجر شفيعا، ويمكنك زيارة جمعية شفيعا لمعرفة المزيد عن دروس القرآن.
اسئلة أخرى:
هل المصحف الناطق مناسب للكفيف؟
نعم، المصحف الناطق مناسب للمكفوفين؛ إذ يتيح لهم الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم والتنقل بين السور والآيات بسهولة، كما يساعدهم على الحفظ والمراجعة وتصحيح التلاوة عند الاستماع إلى قارئ متقن.
ما أفضل طريقة لحفظ القرآن للكفيف؟
تعتمد الطريقة المناسبة على قدرات الكفيف وتفضيلاته، ويمكن الجمع بين الاستماع المتكرر إلى قارئ متقن، والترديد، وتقسيم الآيات إلى مقاطع قصيرة، ومراجعة المحفوظ يوميًا. كما يمكن الاستعانة بمصحف برايل للمكفوفين أو معلم متخصص في تحفيظ القرآن للمكفوفين لتثبيت الحفظ وضبط التلاوة.
هل يحتاج الكفيف إلى تعلم برايل قبل الحفظ؟
لا، ليس من الضروري تعلم برايل قبل حفظ القرآن؛ إذ يمكن للكفيف الحفظ عن طريق الاستماع والتلقين والتكرار مع معلم أو باستخدام المصحف الناطق. لكن تعلم برايل يمنحه وسيلة إضافية لقراءة الآيات بنفسه ومراجعتها باستقلالية، خاصة إذا أراد الجمع بين الحفظ والقراءة المباشرة من المصحف.



0 تعليق